صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
311
تفسير القرآن الكريم
عمل الثقلين ، وليس ذلك باختيار العبد ، وإن كان له اختيار في أن يتعرض لتلك الجذبة بالاكتساب من الرياضات الفكرية والعملية ( العلمية ) . وإليه الإشارة بقوله : إن لربكم في أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرّضوا لها . « 1 » وذلك بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا فإن المجذوب إلى أسفل السافلين كيف ينجذب إلى أعلى عليين ، وذلك لأن تلك النفحات والجذبات أرزاق معنوية بمنزلة الرزق الصوري ، فلها أسباب سماوية رحمانية ، كما أن للرزق الصوري أسباب سماوية جسمانية ، إذ قال ، وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ [ 51 / 21 ] فإن هذه السماء الجسمانية مثال وظل لمبدإ رحمانيته تعالى المنبعث عنها الأرزاق الصورية والمعنوية كلها ، ولهذا وقعت الإشارة بقوله . الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى . وهذا الذي كلامنا فيه من أجلّ مراتب الرزق المعنوي ، فهو أيضا من أسباب سماوية قدسية ، والأمور السماوية غائبة عنا فلا يدرى متى يسر اللّه أسباب الرزق ، فما علينا إلا تفريغ محل القلب والانتظار لنزول الرحمة وبلوغ الكتاب أجله - كالذي يصلح أرض الزراعة وينقيها من الحشيش ويبث فيها البذر - بأن يصفى المريد القلب عن ذمائم الصفات ، ويبث فيه بذر المعارف الإلهية - وكل ذلك لا ينفعه إلا بنزول المطر ولا يدري متى يقدر اللّه أسباب المطر إلا أنه يثق بفضل اللّه وسنته في أن لا يخلي الأرض سنة عن مطر ، فكذلك قلّ ما يخلو قلب المريد الصافي في شهر أو يوم عن جذبة من جذبات الحق . وبالجملة - فقد علم أن تطهير القلب عن حشيش الشهوات ، والتبذير فيه ببذر الايمان باللّه ورسله وملكوته ، وجعله عرضة لمهابّ فضل اللّه مما لاختيار العبد مدخل فيه ، إلا أن يكون في غاية الجمود والقساوة لسبق الكفر المتمادي أو الفسوق المتراكمة كالجاحدين من أهل الكتاب .
--> ( 1 ) الجامع الصغير : باب الألف بعده النون : 1 / 96 .